اسماعيل بن محمد القونوي
7
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الآية ولما لم يكن هذا المعنى مناسبا للمقام لم يتعرض المص له ( وأحكمت آياته ثم فصلت على البناء للمتكلم ) . قوله : ( وثم للتفاوت في الحكم ) أو للتراخي في الأخبار في الحكم أي في الرتبة وإنما لم يحمله على حقيقته لأن التفصيل والإحكام لا ينفك أحدهما عن الآخر فلا ترتيب بينهما زمانا فيكون إما لتراخي الرتبة وهو المراد بالحكم أو للتراخي بين الإخبارين وهو الوجه الثاني ولا يخفى عليك أن في أُحْكِمَتْ [ هود : 1 ] وجوها أربعة وفي فُصِّلَتْ [ هود : 1 ] وجوها خمسة فيكون الاحتمال عشرين وفي كل احتمال الأمر في ثم ما ذكره سوى احتمال كون المراد بتفصيلها إنزالها نجما نجما فإنه يكون ثم حينئذ على حقيقتها فمع تحقق الحقيقة لا وجه للحمل على المجاز كذا قاله مولانا سعدي قيل ولا يخفى عليك أن الآيات نزلت محكمة مفصلة فليست ثم للترتيب على كل حال كما صرح به العلامة في شرحه وليس النظر إلى فعل الإحكام والتفصيل انتهى وأنت خبير بأنه إذا أريد بالتفصيل الإنزال نجما نجما فما معنى قوله إن الآيات نزلت محكمة مفصلة فالأولى أن يحمل كلام المصنف على التغليب أو يقال إنه حمل على التراخي الرتبي وإن أمكن التراخي الزماني على هذا التقدير لكون الكلام على نسق واحد كثيرا ما يحمل الكلام على المجاز وإن أمكن الحقيقة وهو كثير شائع في كلام الزمخشري والمصنف قيل بأن الإخبار لا تراخي فيه إلا أن يراد بالتراخي الترتيب مجازا أو يقال بوجود التراخي باعتبار ابتداء الجزء الأول وانتهاء الثاني وقيل في الجواب إن الكلام إذا انقضى فهو في حكم البعيد انتهى وإن اعتبر هذا البعد لا يصح أو لا يحسن في مثل هذا استعمال الفاء المفيد للتعقيب فالجواب الأول هو المعول إذ ضعف الجواب الثاني واضح جلي نقل عن الكشف أنه قال إن أريد بالإحكام قوله : أُحْكِمَتْ [ هود : 1 ] عطف على ثُمَّ فُصِّلَتْ [ هود : 1 ] في وقرئ ثم فصلت أي وقرئ أحكمت وفصلت على البناء للتكلم فيهما . قوله : وثم للتفاوت في الحكم أو للتراخي في الإخبار وفي الكشاف ليس معنى ثم التراخي في الوقت ولكن في الحال قال صاحب الكشاف في الحواشي قوله ولكن في الحال يحتمل أمرين أن يراد التراخي في الرتية فإن التفصيل أقوى من الأحكام وأن يراد التراخي في الإخبار فإن الجملة يراد بها مفهومها وقد يراد بها الإخبار بمفهومها واعلم أن الواو للجمع في الوجود والفاء للجمع مع الترتيب في الوجود والتعقيب وثم للجمع مع الترتيب في الوجود مع التراخي في الوقت ثم قد تستعمل مجازا في التراخي في الرتبة فلا يكون للترتيب وقد يستعمل للترتيب في الإخبار فلا تراخي حينئذ للتعاقب بين الإخبارين وذلك نحو قولهم أعجبني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت أمس أعجب فإنه لا تراخي بين الإخبارين وعليه حمل قوله تعالى : ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ [ الأنعام : 154 ] لأنه عطف على قوله : ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ [ الأنعام : 152 ] وتوصية أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم متأخرة عن إيتاء موسى الكتاب وظاهر أنه لا تراخي بين هذين الإخبارين إذ الإخبار بالايتاء عقيب الإخبار بالتوصية بلا فصل ولما لم يكن بين الإحكام والتفصيل ترتيب في الوجود لأن الآيات محكمة ومفصلة حين النزول لم يكن ثم ههنا للترتيب في الوجود بل في الإخبار مجازا .